“قراءة في كتاب مفهوم الاختلاف للباحث مارك كوري مترجماً للعربية والصادر عن دار التكوين”
ـ الكتاب وعبر فصوله الستة يستعرض تنوع مفهوم الاختلاف والمختلِف والمختَلف في المجال الثقافي والاجتماعي والفلسفي واللغوي والنقد الأدبي واللسانيات وعالم الشعر والسيميولوجيا وعالم السرد ونقد التاريخ والتاريخانية والعولمة ـ
صدر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر بدمشق كتاب (مفهوم الاختلاف) للباحث مارك كوري مترجماً للعربية من قبل الدكتور(باسل المسالمة)، ويتضمن الكتاب ستة فصول متنوعة في فهم معنى الاختلاف والمختلف في حوالي مئتي صفحة، ومحللاً معنى كلمة الاختلاف بالفرنسية مشيراً إلى فكرة (جاك دريدا) هنا والذي يرى أن الكتابة لا تتبع الكلام ولا تقلده؛ فمن وجهة نظره تنطبق عملية الاختلاف والإخلاف على الكلمة المكتوبة والمنطوقة، لذا، فإن المعنى مؤجل دائماً وباستمرار، لأنّ كل كلمة تقودنا إلى كلمة أخرى في نظام الدلالة. في حين افترض عالم اللغويات السويسري(سوسور) أن العلامات في اللغة تعسفية واختلافية، والعلاقة بين الكلمة ومدلولاتها اعتباطية، فجادل أن الاختلاف يعني أيضاً الإرجاء والإخلاف والتأجيل.
المترجم (مسالمة) يؤكد في مقدّمة الكتاب أن الاختلاف يعدّ من المفاهيم النقدية المهمة في الدراسات الأدبية واللغوية.. ويوضح مسالمة هنا أن المؤلف كوري يضع بين أيدينا وصفاً شاملاً لمصطلح الاختلاف وتاريخه ومكانته من خلال رؤيته من منظور بعض المدارس النظرية الأكثر تأثيراً على مدار العقود الأربعة الماضية، ومنها مثلاً: ما بعد البنيوية والتفكيك والتاريخانية الجديدة والتحليل النفسي والنسوية الفرنسية، وما بعد الكولونيالية.
الهوية والاختلاف
في الفصل الأول من الكتاب الذي حمل عنوان(الهوية والاختلاف)، يجتهد المؤلف في تأسيس ووضع هوية للاختلاف ككلمة يمكن ربطها بعكسها محاولاً وبالاستعانة بالقاموس شرح معناها(حيث القاموس يفسرها بأنها عدم التشابه)، فوصل إلى طريقة أبسط في كيفية عمل كلمة (اختلاف) قدّمها للقارئ، وهي تعتمد مبدأ الشرح في مفهوم الاختلاف نفسه، حيث أشار إلى الاختلاف بينه وبين كلمة أخرى، وبمعنى سلبي من خلال علاقته بنقيضه، متابعاً أن التشابه مثلاً المعاكس للاختلاف يُفهم بطريقتين الأولى التشابه الموجود في هوية مجموعة ما يُبنى غالباً من خلال اختلافهما عن مجموعة أخرى، فثمّة قاسم مشترك بين الاسكتلنديين حين نقارنهم مع الإنكليز، أو بين النساء في اختلافهن عن الرجال، والطريقة الثانية هي أنه حتى لو كانت الهوية تعتمد على اختلافات خارجية معينة، فإن ثمّة اختلافاً داخلياً هناك أيضاً، وهذا واضح على ما يبدو فيما يتعلق بالوحدات الأكبر مثل الأمم.
يستعرض المؤلف في هذا الفصل مفهوم الاختلاف من الفلسفة إلى اللسانيات حيث يرى أن هذا المفهوم هو جزء أساسي من إحدى المشكلات الأساسية في الفلسفة، حيث وعلى مدى قرون عدة ظهرت مشكلة الهوية في الفلسفة ولاحظ المؤلف هنا أنه بعد إخراج الاختلاف من سياقه نوعاً ما بوصفه اختراعاً بنيوياً قائماً بذاته، جاءت إلى حد ما حلقة مربكة لجيل النقاد وهي وصول الحركة ما بعد البنيوية؟.. يتابع المؤلف في هذا الفصل تحليله لمفهوم الاختلاف اللغوية والاختلاف الثقافي، فيؤكد هنا أن العالَم الحقيقي بُنيَ إلى حد كبير على العادات اللغوية للمجموعة، فلا توجد لغتان متشابهتان تماماً إلى درجة أننا يمكن أن نعدّهما بأنهما تمثلان الواقع الاجتماعي نفسه. وفي مجالا الاختلاف الثقافي وحسب المفكّر اللغوي(إدوارد سابير 1884ـ 1939)، فإن الاختلاف يعدّ طريقة نسبية من الناحية الثقافية لصنع أشكال التمييز، وهكذا يصبح نظام الاختلافات في نظام اللغة حقيقة تلك الثقافة.
الاختلاف والإحالة
في الفصل الثاني من الكتاب والذي جاء تحت عنوان (الاختلاف والإحالة) يحلل المؤلف هنا ما قصده عالم اللغويات السويسري سوسور حين قال: في اللغة ليس هناك سوى اختلافات وليس ثمّة مصطلحات إيجابية؟ ويتابع المؤلف هنا تحليله لمفهوم العلاقات الاستبدالية والتركيبية (يوضح المترجم في أسفل الصفحة مفهوم المصطلح أن المحور الاستبدالي هو المظهر الترابطي للغة، فالعلاقة الاستبدالية تشمل النظر في حقيقة أن كل كلمة في أي جملة لها علاقة بكلمات أخرى لا تستخدم لكنها قادرة على أن تستخدم، أما المحور التركيبي فهو الجانب الجمعي أو النظمي للغة، فيهتم بتركيب الكلمات على نحو متتابع معاً لتشكل جملاً مفيدة لتركيبها).
يتابع المؤلف تحليله وشرحه في هذا الفصل بما يتعلق بمفهوم اللغة الشفافة والمبهمة، فيرى مثلاً في التحليل البنيوي للغة أن استخدام مصطلحات مثل (بارزة) أو (مميزة) يعني ضمناً أن لغة ما يمكن تمييزها من الأنواع الأخرى التي تستخدم لغة غير مرئية نسبياً.
وفي مجال الشعرية والسيميولوجيا وعالم السرد يرى المؤلف هنا أن مصطلح الاختلاف في النظرية الأدبية والاجتماعية يحمل في داخله مجموعة كاملة من الحجج حول إبهام اللغة وغموضها، ووهم المرجعية وبنية الواقع، متسائلاً: كيف يعمل هذا في الواقع حين نحاول تحليل نص أدبي؟
الاختلاف والمراوغة
أما الفصل الثالث من الكتاب، فقد جاء وبشكل موارب تحت عنوان الاخـ(ت)ـلاف مؤكداً المؤلف هنا أنه مفهومٌ مراوغ على نحو ملحوظ، لكنه في الواقع يعني شيئاً قريباً جداً من المراوغة، فهو برأي المؤلف وإثباتاته أن فكرة الاختلاف هي عكس التشابه مثلما هو عكس الهوية وعكس التفرد وعكس المرجعية، ويشرح لنا الحديث في هذا الفصل معظمه نظري وفلسفي ويستند إلى آراء جاك دريدا ودولوز، وهما فيلسوفان باريسيان مؤثران جداً ولهما مكانة خاصة في الأدب والفن بوجه عام.
ففي عرض المؤلف لموضع الاختلاف بعيداً عن التعارضات يستنتج أن البنيوية فرضت الاستقرار على نحو فعّال حول تحليل الاختلاف من خلال تركيز انتباه دريدا إلى أبسط أنواع الاختلاف وهو (المعارضة الثنائية)، ويرى أنّ دريدا مثلاً لا يدّعي حقاً أن ثمّة شيء حول الكتابة أصدق من الكلام، وأن التفكيك بأكثر معانيه الفلسفية صرامة يتضمن دائماً تقريباً إثبات أن النص الذي يحتوي بطرية ما على اقتراح مضاد لافتراضاته المسبقة أو موافقه المعلنة: إنه يخرّب فرضياته ومعتقداته.. ولذلك فإن إعادة الصياغة شيء يشبه الهرطقة.
ثم يتابع المؤلف تحليله لمفهوم الاختلاف والتكرار حسب آراء الفيلسوف دولوز موضحاً أنه من الممكن وصف المفهوم ما بعد البنيوي للاختلاف في سلسلة من الافتراضات يستعرضها المؤلف حسب الاختلافات الزمانية والمكانية وحسب صغر الكلمة والمعارضة الثنائية التي يقول أنها ليست مسطحة بل هرمية، حيث لها بعد زمني يُحدّد امتياز الأصول أو نقاط النهاية.
تواريخ مختلفة
الفصل الرابع جاء تحت عنوان (تواريخ مختلفة)، بدأ المؤلف حديثه عن قيام النقاد والمنظّرين منذ ثمانينيات القرن المنصرم بالتفكير في التاريخ بطريقة مختلفة، كما عمل الكاتب على إعادة كتابة التاريخ من وجهات نظر مختلفة، كما عاد النقد الأدبي إلى التاريخ، وهذه برأي الكاتب تمثل تغييراً مهماً في هذا الاتجاه. ويتابع الكاتب في هذا الفصل محللاً التداخل بين الذات والموضوع في المعرفة التاريخية مؤكداً أنه لا جدوى من محاولة إعادة تشكيل الماضي من إشكال الحاضر الذي يكون محاصراً بينهما، ويتابع في مجال التواريخ المختلفة والرواية ما بعد الحداثية والتي تعتمد فلسفة معقدة في دمج ممارسة كتابة التاريخ، حيث لا بد مثلاً من حجّة إلى حجّة ما لإثبات أهمية الزمن في السرد الروائي. نتابع في هذا الفصل موضوع التقليد الأدبي المعتمَد والاختلاف معتمدا هنا على مقدمة كتاب لميشيل فوكو، وهو(علم آثار المعرفة) المنشور في عام 1972، حيث يصف فوكو الماضي بأنه تعدد القوى المتباينة التي تتصارع باستمرار ولا يمكن لأي كتابة تاريخية تقليدية أن تنصفها. وفي مجال استخدامات الاختلاف في النقد التاريخاني، يرى الكاتب أنه لا يمكن للحدث التاريخي أن يفهم إلاّ في سياق تكوين أكبر للعلاقات مستعرضاً آراء فوكو والباحثين في مجال النقد التاريخاني الثقافي أمثال كليفورد غيرتز وبيير بورديو وميشيل دي سيرتو
الفصل الخامس من الكتاب يتناول موضوع الاختلاف الثقافي، حيث نعيش في عالم من الاختلاف، ولذلك فإن الاختلاف الثقافي يمتلك ازدواجية الجمع بين المعاني السهلة أو المفهومة بسهولة، وتلك المشتقة من خلفية نظرية أكثر تعقيداً مستعرضا المؤلف الاختلاف والآخر والغير والاختلاف الجنسي والمعارضة والغيرية، وموضوع المختلف هنا والتشرذم وما بعد الحداثة والتجارة حيث تبرز العولمة في أقصى مجالاتها وخاصة مع فقدان الإحساس بالماضي التاريخي المشترك.
الاختلاف والتكافؤ
في الفصل السادس والأخير والذي حمل عنوان(الاختلاف والتكافؤ) يناقش الكاتب مفهوم الاختلاف الذي يتداخل إلى حد كبير مع قيم الخصوصية حيث العالمية المادية وحيث الاستعارة، التي هي مجازُ التشابه ومجازُ التكافؤ ونوع من نقطة العبور بين منطق الاختلاف ومنطق التكافؤ، والاستعارةُ شيء في حدِّ ذاته وعلاقة بشيء آخر، فهي شيء وتشابه؟!..ويتابع المؤلف نقده لموضوع الخصوصية والعولمة والعالمية والهيمنة وموضوع الاختلاف ونظرية المجموعات والمنطق الغامض، حيث في تقليد الفلسفة التحليلية ثمّة علاقة وثيقة دائماً بين مشكلة الاختلاف الفلسفية وأشكال التعامل الرياضي مع مسائل العدد والتعددية معتمداً الكاتب هنا على آراء الفيلسوف برتراند رسل، الذي كان واضحاً في تحليله لنظرية المجموعات وعلاقتها بالمنطق. ويطرح المؤلف في نهاية كتابه موضوع المسلّمات الجديدة والنقد الأدبي، مبيناً أن هذه المسلّمات وفرت بعض الأسس النظرية التي يجري من خلالها إعادة بناء كثير من الكلّيات والوحدات التي جرى تفكيكها بلا هوادة ـ حسب وصفه ـ في عصر التفكيك والتاريخانية الجديدة.
وفعل المؤلف شيئا جيداً عندما أفرد حوالي سبع صفحات في نهاية كتابه أطلق عليها (مسرد)، ليوضح للقارئ عدداً من المصطلحات التي مرّت في الكتاب، ومنها الغيرية والمعارضة الثنائية والشكل الاستطرادي وما وراء السرد وما وراء اللغة وغيرها.
يسجل، هنا للمؤلف، شمولية ودقّة تناوله للأمور التي تتعلق بمفهوم الاختلاف والمختلف من منطق معاصر وفي مجالات الحياة المختلفة، حيث لا يمكن للمجتمعات أن تتطور إذا لم تعتمد فلسفة الاختلاف في النواحي الثقافية والأدبية والاجتماعية والفلسفية والسياسية واللغة والتقاليد، وكأن حاله يقول حسب الأدبيات العربية (أن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية) ويوصل للقارئ هنا أن المختِلف والمختَلف عليه يجب أن تكون حالة طبيعية فأنا مختلف عن الآخر بالتأكيد فأنا موجود؟!..
من الملاحظات على الكتاب غياب التعريف بالمؤلف والمُتِرْجِمْ كما هي العادة في الكتب المترجمة أو غيرها، وهذه ملاحظة تسجل باسم الدار الناشرة للكتاب والمسؤولة عن التعريف بهما.